بحبك يا مصر - فريق قياس الجودة - إدارة حدائق القبة التعليمية

ًسعداء بزيارتكم ويسرنا نقدكم ومقترحاتكم...

منتديات فريق قياس الجودة - إدارة حدائق القبة التعليمية Q. M. Team H. K. A. Fora


    النخبة والمعدن النفيس

    شاطر
    avatar
    عبدالله معارك
    مشرف

    عدد المساهمات : 253
    تاريخ التسجيل : 12/02/2009

    النخبة والمعدن النفيس

    مُساهمة  عبدالله معارك في الخميس أكتوبر 08, 2009 7:48 am

    في أكتوبر من كل عام نحتفل بانتصارنا التاريخي علي عدو مغرور احتل الأرض الغالية ومرح فيها واستهان بالمصريين شعباً وجيشاً. فإذا بهم يذيقونه الهوان ويفرضون عليه الذلة والمسكنة ويقتلون ويأسرون ويجرحون الجندي الإسرائيلي الذي صورته الأساطير أنه لا يقهر. فإذا بسمعته "تدفن" في رمال سيناء.
    ورغم عبقرية النصر الذي تحقق علي التفوق العسكري الساحق لإسرائيل وهو ما فرض علي التاريخ أن يكتب بحروف من ذهب أسماء قادة الحرب وعلي رأسهم الرئيس حسني مبارك قائد القوات الجوية في أكتوبر. إلا أنني مع ذلك لا يمكن أن أغفل "المعدن النفيس" للشعب المصري العظيم الذي كان سنداً وعوناً لأبطال النصر.. فقد وقف بجانب جيشه مضحياً بالكثير خلال ستة أعوام خاضت فيها قواتنا المسلحة حرب تحرير شرسة ومعارك استنزاف طويلة كانت مقدمة للنصر.
    واسأل ماذا جري لشعبنا؟ أين ذهب جيل أكتوبر ومعدنه النفيس الذي ضرب القدوة والمثل للأجيال اللاحقة.
    لقد حقق المصريون معجزة سيذكرها التاريخ في ملاحم الصمود والتحرير وقهر المستحيل.. لم نحطم خط بارليف فقط. لكن حطمنا النظريات العسكرية والسياسية.. فعندما تعبر خمس فرق القناة "بقوة الجيشين الثاني والثالث" وبتعداد 100 ألف مقاتل. وأمام قاذفات لهب ومدافع عيار 155 مللي فإنها هالكة لا محالة.. لكنها نجحت.. لم تنجح فقط ولكنها قامت في ظل التفوق الجوي للعدو بعمل فتحات في الساتر الترابي بمدافع المياه وهي اختراع مصري. وأنشأت رءوس كباري في 8 ساعات فقط عبر عليها الجيش المصري بأكمله بدباباته وأسلحته الثقيلة.. ولم تكن ذلك المعجزة الوحيدة.
    فقد انتصرنا علي أقوي جهازي مخابرات في العالم وهما الموساد والمخابرات المركزية الأمريكية.. المصريون اقنعوا العالم أن هجومهم سيكون قبل الغروب مع آخر ضوء وبدأت إسرائيل تستدعي الاحتياطي "120 ألف جندي" الساعة الواحدة ظهراً.. لكن الهجوم المصري السوري كان في الثانية ظهراً.. اكتساح بري و220 طائرة تعبر القناة دفعة واحدة.. المقاتلون لم ينتظروا الأمر بالهجوم.. كانت أول مرة يحلق الطيران المصري فوق سيناء منذ أغسطس ..1973 لكن ليس بهذه الكثافة.. هتفنا الله أكبر.. زلزلناهم وعبرنا.
    ماذا فعلت حرب أكتوبر بعد الانتصار؟ هدمت نظرية الأمن الإسرائيلي وأظهرت للعالم كله أن المصريين يمكنهم إلحاق خسائر فادحة بالجيش "المدلل" الصهيوني.. بل إن واشنطن عندما تدخلت في المعركة وقدمت جسراً جوياً لإسرائيل لتعويض خسائرها في الحرب. لم تستطع أن تنجو من الحفرة التي سقطت فيها.
    وحتي بعد أن رصدت الأقمار الصناعية "الثغرة" بين الجيشين الثاني والثالث في بحيرة التمساح واختراق شارون لها. لم تسقط "السويس" ودافع الأسود عن عرينهم بل إن الإسرائيليين كانوا في وضع يسهل تصفيتهم بالكامل فيه. لكن السادات رفض.. فتصفية الإسرائيليين سينجم عنها التضحية بجزء كبير من أبنائنا.. وقال السادات إنه ليس القائد الذي يضحي بجنوده.
    وأعود لما بدأت به فأقول إن الذي حقق معجزة يمكن أن يحقق أخري. فلماذا لا نكرر روح أكتوبر في التصدي لمشاكل التنمية والتعليم والصحة؟! لماذا لا يظهر المعدن النفيس للمصريين في الإبداع العلمي والثقافي والفني بالشكل الذي كان عليه أثناء معجزة العبور؟ الأسئلة الكثيرة تطاردني وأنا أبحث عن سبب مقنع لغياب الضمير والتحريض ضد البلد وروح الاتكالية التي سادت الجميع والتي اقترن بها مؤخراًَ الشعور بالاستهتار.. كل هذا آن له أن يتوقف ليظهر المعدن النفيس للمصريين مرة أخري.
    قناعتي الشخصية أن "المعدن النفيس" لا تطوله عوامل تعرية أو يذهب بريقه.. فقط يحتاج ليد خبير ينفض عنه الغبار! فأين هي؟! أين الذين يبحثون عن المصلحة العامة؟ للأسف كان الفيصل بين ما يحدث اليوم وما جري في 73 أن النخبة المثقفة والصحفيين والإعلام كانوا علي خط واحد.
    إننا للأسف الشديد ننعي اختفاء روح أكتوبر رغم أننا المسئولون عن ذلك.. لقد سادت الثقافة والصحافة والفنون - أو بمعني آخر المخزون النخبوي - معايير التفاهة والسطحية.. أصبحنا وكأننا في عملية تجريف للعقل المصري والفكر والثقافة والآداب والفنون.
    كانت الصحافة تقود الرأي العام للمصلحة العليا للوطن. لكنها الآن - ومعها الإعلام - تنتهج التفاهة والتطاول والاجتراء المفتعل وصراع الديكة الذي أصبح المشاهدون يدمنونه.. أصبحت برامج أسرار الغرف المغلقة وأغشية البكارة الصناعية والأحوال الشخصية هي المادة الأثيرة للصحافة والإعلام أو للنخبة فقادوا البلاد إلي ما فيه الخراب وليس العمار والتنمية.
    انظروا إلي النخبة المثقفة أيام الحرب وقارنوا بينها وبين نخبتنا الآن.. نحن حالياً مهووسون بارتفاع الصوت والقضايا الفرعية والنميمة والتشهير والتقول ومحاولة الايحاء بأن هناك اقتساما للسلطة ونخرا في عظام الوطن.
    نعم المعدن النفيس للمصريين الذين حاربوا وانتصروا مازال موجوداً.. لكن الذي غاب هو النخبة المثقفة أو النخبة بشكل عام.. النخبة عندنا "موسمية" تنشغل حينا باليونسكو وتنقسم حول المرشح.. وحينا آخر برجال الأعمال أو فساد الوزراء أو تيفود البرادعة أو أنفلونزا الطيور وشقيقتها الخنازير.. النخبة "الموسمية" تجتمع الآن علي التشويه اعتقاداً منها أن ذلك يقربها من الناس الذين أصبحوا يكرهون الحكومة ويعتقدون بسوء فهم أنها "الوطن" وشتان بين الاثنين.
    باختصار شديد لقد "غابت" النخبة المفروض أو الموكول إليها اكتشاف المعدن النفيس مرة أخري. و"حضرت" الجماهير لكنه حضور بنقاء الروح وتشتت الوعي وغياب الهدف وضياع البوصلة.. أنني اسأل النخبة في أبراجها العاجية هل فعلاً وصلت مصر إلي النهاية كما تقولون؟ هل واقعنا بهذه القتامة كما تزعمون؟! هل عجزتم يا ورثة نخبة أكتوبر علي التصدي لفضائيات لا يحركها إلا حقد تاريخي ضد مصر وكأنه ثأر مبيت ضدنا؟!
    هيا نرسي تقاليد جديدة تعيد روح أكتوبر الغائبة وتكتشف المعدن النفيس في المصريين الذين أصبحوا من كثرة التشكيك فيهم يتصورون أنهم أفشل وأجهل شعوب الأرض وأقلهم نظاماً وأكثرهم أمراضاً!
    إن مصر أكبر من أن نختزلها في صراخ وبكاء علي لبن مسكوب ورؤي بدائية تحاول إعادتها لأفكار سقطت في العالم كله ويريدون إحياءها عندنا لأنها مرتبطة بالكسل حيث نأخذ ولا نعطي وتكون لنا حقوق وليس علينا واجبات.
    اجتهدوا في إحياء المعدن النفيس للمصريين وساعتها ستجدون روح أكتوبر ومعجزاتها تحلق حولكم سعيدة.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أغسطس 17, 2017 11:47 am