بحبك يا مصر - فريق قياس الجودة - إدارة حدائق القبة التعليمية

ًسعداء بزيارتكم ويسرنا نقدكم ومقترحاتكم...

منتديات فريق قياس الجودة - إدارة حدائق القبة التعليمية Q. M. Team H. K. A. Fora


    من أجل عقلية مبدعة لأبنائنا

    شاطر

    هانى حسبو

    عدد المساهمات : 310
    تاريخ التسجيل : 21/02/2009

    من أجل عقلية مبدعة لأبنائنا

    مُساهمة  هانى حسبو في الخميس أبريل 30, 2009 12:27 pm

    مقال جيد للدكتور أسامة الشرقاوى
    من أجل عقلية مبدعة لأبنائنا
    د. أسامة الشرقاوي
    14 - 8 - 2008



    من المفترض أن تكون أمة الإسلام هي خير أمة أخرجت للناس: تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتقود الأمم إلى طريق الله سبحانه وتعالى.. ولكن هذا الدور الريادي المنوط بالأمة قد تضاءل منذ زمن طويل لأسباب عديدة.. واحتلت أمة الإسلام موقف رد الفعل بدلاً من المبادأة أو المبادرة.. وصار من الغريب بالنسبة لنا أن نأخذ بزمام الأمور، أو نوجّه دفة الأحداث.. وما ذاك إلا لتخلي الأمة عن عناصر خيريتها، ورموز قوتها.. وعلى رأس هذه العناصر والرموز ـ بعد الإيمان بالله عز وجل ـ العقلية الإسلامية المبدعة، صاحبة التفكير الابتكاري، والرؤية الريادية الشامخة.. فقد استولى على تفكير الكثيرين منا التقليد والجمود، وصار التجديد والإبداع في قاموسنا من المحرمات.



    وإذا كنا اليوم نسعى لاستعادة مجد هذه الأمة، واسترجاع خيريتها الغائبة بين الأمم، فلا مناص لنا من أن نولي مهمة إنشاء جيل إسلامي مبدع أهمية فائقة.. وأن نوفر المناخ الملائم لتفجير طاقات الإبداع الكامن في نفوس أبنائنا.. وقبل ذلك، أن ندرك أهمية الإبداع في تطوير العقلية الإسلامية، وفي استعادة أمة الإسلام مكانتها الرائدة؛ من حيث كونها خير أمة أخرجت للناس.



    إن اهتمامنا بتنمية الإبداع في عقول ونفوس أبنائنا ليس أمرًا مستغربًا.. فنحن نعيش الإبداع في كل لحظة من لحظات حياتنا. هذا الإبداع يحيط بنا من كل جانب؛ ممثلاً في هذا الكون الرحيب بما فيه من عجائب المخلوقات: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] .. بل هو متغلغل في أعماق نفوسنا؛ إذ نحن جزء من إبداع المولى عز وجل.. فلا عجب إذن أن نهتم بالإبداع، وأن نربي عليه أطفالنا منذ الصغر.



    ولعل من فضل الله علينا أن الإبداع ليس موهبة فطرية يفطر الإنسان عليها.. فإذا لم يكن موهوبًا منذ الصغر، فلا أمل في أن يكون مبدعًا.. وإنما هو طاقة تغرس وتنمى، وعادات يتعود عليها، وأعمال يتم التدريب عليها.. ومن ثم يصبح الإنسان مبدعًا بشرط أن يملك أولاً الحد الأدنى من الذكاء الفطري الذي يصلح أن يكون قاعدة ينبنى عليها الإبداع، ثم يتوفر له ثانيًا المناخ المناسب لتنمية هذا الإبداع.. وينبغي أن تكون نظرة الآباء والمربين للإبداع على أنه حاجة لازمة لكل طفل، وليس مجرد ميزة يتميز بها بعض الأذكياء دون غيرهم.


    وحتى يتسنى لنا تكوين عقلية مبدعة، فينبغي أن تكون البداية من مرحلة الطفولة المبكرة.. فإن للمحضن الأول الذي يتكون فيه الطفل دورًا محوريًا في تكوين الإبداع.. فالطفل ينظر إلى من حوله كالأب أو الأم أو غيرهما ويلاحظ حركاتهم، فتتولد داخل نفسه طاقة فوارة من الانفعالات والمشاعر والأحاسيس.. هذه الانفعالات تحتاج إلى من يوجهها لتنطلق نحو الاتجاه الصحيح، وإلا كانت طاقة هدامة مدمرة.. وكما قال أحد المتخصصين في تربية الطفل: (إن عقل الطفل ابن الخامسة يشبه بركانًا له فوهتان: واحدة هدامة، والأخرى مبدعة.. وبقدر ما نوسع مدى الفوهة المبدعة، نوقف نمو الفوهة الهدامة).. ولهذا الكلام معنى خطير.. إذ إن عدم اهتمامنا بمن يمتلكون طاقات إبداعية من أبنائنا لا يحرمنا من رؤية هذه الطاقات فحسب.. وإنما يوجهها نحو الاتجاه العكسي الذي يحمل في طياته قدرًا من الهدم والتخريب.



    ولعل أول خطوة في طريق الإبداع هي تشجيع الطفل منذ نعومة أظافره، وبث الثقة في نفسه، وتحفيزه بكلمات المدح والثناء.. وإن كان بعض المربين يتخوفون من الإفراط في مثل هذه الكلمات حتى لا يصاب الطفل بالكبر أو الغرور ـ وتلك مخاوف مشروعة ـ ولكنها لا ينبغي أن تكون حاجزًا عن التشجيع المقرون بالحث على التفوق، والتحلي بقيمة التواضع مع الآخرين.



    كما أن تنمية الإبداع وتحفيزه يتطلب من المربين أن يشجعوا طلابهم على التساؤل، ويثيروا في نفوسهم الفضول العلمي والمعرفي.. ويتطلب كذلك أن تكون إجابات المربين على هذه التساؤلات إجابات محفزة للطالب على مزيد من التساؤل والتعلم.. ولا يصح أن يضيق المربي بكثرة الأسئلة، فإن الخوض في التفاصيل ومحاولة إدراك الجزئيات هو علامة على الحيوية الذهنية، وإشارة إلى عقل مبدع بعيد عن الجمود والسطحية.



    إن المرونة الذهنية والعقلية هي المقدمة الحقيقية للإبداع والابتكار.. لأن الإبداع يتطلب النظر إلى الأمور من زوايا مختلفة، وتحديد إيجابياتها وسلبياتها، وتحليل مقدماتها ونتائجها.. كما يحتاج إلى التخلي أحيانًا عن أطروحاته القديمة، ومراجعة مواقفه السابقة.. ومستحيل أن يفعل ذلك كله صاحب عقل جامد، أو فكر متصلب.



    وهناك عدد من المحاذير التربوية التي تقتل ملكة الإبداع في نفس الطفل.. ومن ذلك: التخويف والتهديد؛ فمحال أن ينمو الإبداع في جو مليء بالقهر والتخويف. ومنه أيضًا: السخرية والتحقير؛ فهذا الأسلوب بالذات يترك في نفس الطفل ندوبًا عميقة لا تندمل بمرور الزمن، وتزلزل ثقته بنفسه، وتقتل بداخله أية بادرة للنهوض والارتقاء.



    إلا أن أعظم ما يقضي على ملكة الإبداع هو التعليم التلقيني؛ ذلك اللون من التعليم الذي يجلس فيه الطالب أمام معلمه في صمت رهيب، ويستمع لما يلقى إليه دون حوار أو مناقشة.. ومثل هذا التعليم كفيل بوأد كل المهارات الذهنية والعقلية لدى الطلاب، وتكوين عقلية جامدة لا علاقة لها بالتفكير الإبداعي من قريب أو من بعيد.. وعلينا ـ لو أردنا تقوية حس الإبداع لدى أبنائنا ـ أن نوفر لهم مناخًا تعليميًا أكثر انفتاحًا، يكون فيه مجال التحاور والنقاش أكبر من تلقين المعلومات وحفظها عن ظهر قلب.



    إننا اليوم في حاجة ماسة لأن نراجع أهدافنا ووسائلنا التربوية، وأن نركز اهتمامنا على إنشاء جيل جديد من أبناء المسلمين نقي السريرة، راسخ العقيدة، متوقد العزيمة، شامخ الأخلاق، صاحب عقلية إسلامية مبدعة راشدة.. وما لم ننجح في إخراج هذا الجيل الذي تاقت لرؤيته البشرية الحيرى؛ فلسوف نبقى نراوح مكاننا حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء يناير 17, 2017 10:22 am