بحبك يا مصر - فريق قياس الجودة - إدارة حدائق القبة التعليمية

ًسعداء بزيارتكم ويسرنا نقدكم ومقترحاتكم...

منتديات فريق قياس الجودة - إدارة حدائق القبة التعليمية Q. M. Team H. K. A. Fora


    معالم تربوية (2)

    شاطر
    avatar
    هانى حسبو

    عدد المساهمات : 310
    تاريخ التسجيل : 21/02/2009

    معالم تربوية (2)

    مُساهمة  هانى حسبو في الأحد مايو 10, 2009 12:48 pm

    وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ولولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار)) غاية الأدب والتواضع والتطييب لنفوسهم، فإن العلماء قالوا: إن المهاجرين على وجه الجملة أفضل من الأنصار، ففي كلامه صلى الله عليه وسلم تأليف عظيم لقلوبهم وشرف لهم، قال الخطابي: أراد بهذا الكلام تألّف الأنصار واستطابه نفوسهم والثناء عليهم في دينهم حتى رضي أن يكون واحدًا منهم لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها.. فما أروع خلقه وأدبه صلى الله عليه وسلم, وصدق الله الكريم إذ يقول في حقه صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].


    2ـ روى البخاري عن خالد بن ذكوان قال: قالت الرُّبيّع بنت معوِّذ بن عفراء: جاء النبي صلى الله عليه وسلم يدخل حين بُني عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني ، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قُتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن:


    وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد


    فقال: ((دعي هذا، وقولي بالذي كنت تقولين))، وزاد في رواية: ((لا يعلم ما في غد إلا الله)).


    فهذه الحادثة فيها الترفق بالعوام ومراعاة ذلك في أمرهم ونهيهم، فإنهم في كثير من الأحيان تخالط أخطاءهم طيبة في قلوبهم. وهنا صحح الرسول صلى الله عليه وسلم الخطأ لكن بهذه الصورة الرقيقة الخالية من الغلظة والزجر، وذلك لأن الخطأ لم يكن مقصودًا.. ومراعاة لحال المخطئ من الجهل مع طيبة القلب. فقال عليه الصلاة والسلام: ((دعي هذا، وقولي بالذي كنت تقولين))، وهذه الكلمة الأخيرة لا تخلو من تلطف وإزالة للحرج، فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينهرها ويأمرها بالسكوت مطلقًا بعد أن أخطأت ذلك الخطأ، وإنما أرشدها لترك ذلك الإطراء الخاطئ، وسمح لها بالمضي في غيره، وإن كان مدحًا له صلى الله عليه وسلم ما دام خاليًا من الغلو والمجازفات. قال ابن حجر رحمه الله: وفيه ـ أي في الحديث ـ من الفوائد: إقبال الإمام إلى العرس وإن كان فيه لهو ما لم يخرج عن حد المباح ـ ومن المعلوم أنه يجوز من اللهو في العرس ضرب النساء دون الرجال على الدفوف دون غيرها من المعازف ـ وفيه جواز مدح الرجل في وجهه ما لم يخرج إلى ما ليس فيه. اهـ.


    وروى البخاري ومسلم والنسائي وأحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت امرأة رفاعة القرظي وأنا وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن رفاعة طلقني البتة، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني وإنما عنده مثل الهدبة ، وأخذت هدبة من جلبابها. وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ولم يؤذن له، فقال: يا أبا بكر ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبسم.


    هذا الحديث فيه موقف تربوي لطيف نستفيد منه في معاملاتنا وكلامنا مع كثير من العوام والبسطاء الذين يجهرون أحيانًا بأمور يتحرج غيرهم من التلفظ بها، فقد يكون المشروع معهم في مثل ذلك الحال المداراة لا الإنكار ما دام الأمر لم يخرج إلى حد المخالفة الشرعية, ويغتقر للعوام كثير من أساليب الكلام التي لو استخدمها مثلاً طالب العلم أو الداعية لم يكن لائقًا به.. وهنا أتت هذه المرأة تشكو لرسول الله صلى الله عليه وسلم حالها مع زوجها الذي لا يحسن جماعها, فتكلمت على سجيتها ووصفت الحال كما في الحديث, ما أزعج خالد بن سعيد رضي الله عنه.. ولكنه صلى الله عليه وسلم ما زاد على التبسم ، فكل إنسان له قدرة على التعبير، والعامي قد لا تسعفه لغته في التكنية والتورية عما يخجل من التفوه به, فيسامَحون في ذلك ما داموا لم يرتكبوا مخالفة شرعية, فحينئذ يصحح لهم خطؤهم أو تترك مجالستهم.


    3ـ وروى أبو داود وأحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح إلا عمارة بن خزيمة وهو ثقة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسًا من أعرابي, فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه, فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه, حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي صلى الله عليه وسلم، فنادى الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتعه وإلا بعته. فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي قال: ((أوليس قد ابتعته منك؟)) قال الأعرابي: لا والله ما بعتك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بل قد ابتعته منك))، فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه وسلم والأعرابي وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلمّ شهيدًا يشهد أني بايعتك، فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول إلا حقًّا. حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم ومراجعة الأعرابي، يقول: هلمّ شهيدًا يشهد أني بايعتك. قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال: ((بم تشهد؟)) فقال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين.


    لو فقهنا هذا الحديث العظيم, وهذا الخلق والأدب الجم من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لعرف كل منا ما له وما عليه، ففي هذه الأيام كل منا اعتقد في نفسه فضلاً أو شرفًا أو علمًا، والكل ـ إلا من رحم الله ـ للأسف يعتقد في نفسه ذلك، أقول: من اعتقد في نفسه شيئًا من ذلك أحب أن يحصل على حقوقه هكذا دون بينة ويستكبر أن يطلب منه دليل على ما يقول؛ لأنه المعصوم المقدس, ويستنكف أن يعترض أحد كما اعترض ذلك الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم, ما أصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أحلمه وذلك الأعرابي يتجاهل البيع الذي تم، ويهدد رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يدفع الثمن الأكثر وإلا لم يبع له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أوليس قد ابتعته منك؟))، والأعرابي الكاذب يحلف أن لا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسبه ولا يردد أكثر من قوله: ((بل قد ابتعته منك)).. نعم فما كان ليأخذ الفرس ويمضي البيع بسلطانه، فكيف وهو يقول للناس: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى رجال أموال قوم ودماءهم))، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر, وكون رسول الله صلى الله عليه وسلم صادقًا في حقيقة الأمر, إلا أنه والجميع مقيدون بأحكام الشرع، والناس لهم الظاهر, ورسول الله صلى الله عليه وسلم مطالب بالبينة على ما يقول, فما أحلمه صلى الله عليه وسلم وما أوسع صدره.. لم يكن جبّارًا عليه الصلاة والسلام ولا متكبرًا ولا مغرورًا.. ما أصبره صلى الله عليه وسلم على هذا الأعرابي.. وما أعظم امتثاله وتقيده كغيره بأحكام الشرع وحدوده عند المنازعة على شيء.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة يونيو 23, 2017 1:59 am